ماذا صنعت كورونا في سوق تقنية المعلومات؟

  • 72 مشاهدة
  • 28-06-2020, 05:22

أقيمت خلال الشهرين الماضيين العديد من المحاضرات على الإنترنت التي تناولت التأثيرات التي سببتها جائحة كورونا  ومدى تأثيرها على سوق تقنية المعلومات، وكيف تعاملت معها إدارات تقنيات المعلومات في الجهات الحكومية، وكانت منها محاضرة أقامتها شركة (IDC) تناولت بعضًا من تلك التوقعات، وأحد هذه التوقعات أنه إذا كانت أضرار جائحة كورونا، وعلى رأسها الحجر، ستنحسر في الربع الثالث من 2020 فمن المتوقع أن ينخفض الإنفاق على تقنية المعلومات قرابة 5 في المئة عن السنة الماضية، أو سينخفض قرابة 9.5 في المئة إذا استمرت الأزمة إلى نهاية العام الجاري.

ورأينا تغييرات جوهرية في السوق، كالطلب غير المسبوق على أجهزة الحاسب المحمول لمعظم الشركات، بالإضافة للتسارع الملحوظ في أعمال صناعة الحلول الرقمية وخاصة تلك التي تتعلق بتسيير الأعمال الرئيسة كالتوقيع الإلكتروني، وأنظمة حضور الموظفين، والتواصل الفوري، والمحادثات والاجتماعات عبر الانترنت. كما أضافت جائحة كورونا مبادئ كنا نظنها مستحيلة المنال، كتبني العمل عن بعد، وما يترتب عليه من أمن المعلومات، بالإضافة إلى المشاريع الخاصة بإجراءات استدامة الأعمال وليس فقط التقنيات.

وهذه التقلبات وغيرها جعلت من المهم معرفة السوق معرفة اقتصادية؛ ليتسنى للإستراتيجيين والمتخصصين في الصناعة معرفة الوضع الحالي والمتوقع لكي يقوموا بالتخطيط للمبادرات اللازمة.

وبإجراء تحليل سريع ومتواضع لمحددات الطلب في حلول الشركات السعودية، وهو تحليل شخصي مبني على متابعتي لسوق تقنية المعلومات، فإن ميزانية السوق وحصة ميزانية تقنية المعلومات من الميزانية العامة للمنشأة تُعتبر من أهم المحددات التي يُنظر إليها. 

حيث يُعد الإنفاق على قطاع الحكومة – بخلاف التعليم والصحة – بالإضافة إلى القطاع المالي مقاربًا 40 في المئة من ميزانيات الإنفاق على تقنية المعلومات في القطاعات المتوقعة قبل جائحة كورونا لعام 2020. 

ولا شك أن إنفاق الحكومة أكثر من 230 مليار ريال على جائحة كورونا، وإعلان تقليص النفقات الحكومية بكافة أسبابها، كانخفاض سعر البترول، بالإضافة إلى تأثر القطاع المالي السعودي بهذه الجائحة مع قوته وصلابته، سيعيد ترتيب أولويات الإنفاق على تقنية المعلومات في هذه الجهات. كما أن إنفاق المملكة على قطاع تقنية المعلومات يعتبر أكبر إنفاق بعد جنوب أفريقيا في الشرق الأوسط، فسيكون التقليص أيضاً كبيرًا، وأعتقد أنه سيزيد عن 11 في المئة في القطاع الحكومي، وعن 9 في المئة في القطاع المالي عما كان متوقعاً في 2020، وكلما كانت ميزانية تقنية المعلومات لمشاريعها في هذي المنشآت كبيرة زاد معدل الانخفاض.

أولويات السوق: لا شك أن الأولويات بسبب كورونا قد تغيرت في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ، فمن منتَج كان يعلوه الغبار في شركات تقنيات المعلومات إلى منتج أصبح من الأكثر طلبًا، كبرامج حضور الموظفين إلكترونيا، وأجهزة الحاسب المحمول، وبرامج أمن المعلومات الخاصة بها من أجل توفير البيئة المناسبة للعمل عن بعد. 

بالإضافة إلى مشاريع للشركات التقنية التي تتطلب حضور أشخاص من خارج المملكة بين فترة وأخرى، حيث أجبر الإغلاق السوق على التعايش مع خطورة عمل هؤلاء الأشخاص عن بعد، فمنهم من استسلم وغض الطرف، ومنهم من حاول أن يجد حلًا مؤقتًا وعزم على حل جذري للمشكلة، ومنها سعودة المشاريع التي أصبحت مهمة أكثر من ذي قبل. 

أعتقد أن الأولويات ستتمحور حول البنية التحتية المرنة للموظفين، واستكمال المشاريع القائمة، ورقمنة الخدمات الأساسية فقط التي تساهم في تقليل التكاليف، وتقديم الخدمات الأساسية الفضلى للعميل، بالإضافة إلى تقليص المرحلة الأولى لبعض المشاريع الإستراتيجية.

التوقعات: رؤية 2030 خطة قائمة ولا يمكن الرجوع عنها، بالإضافة إلى أن استمرار أضرار الجائحة الاقتصادية إلى السنة القادمة سيؤثر على الإنفاق لمدة طويلة، لذلك أعتقد أنه سيكون التركيز على الحلول السريعة والمبتكرة باستخدام التقنية لتحقيق رؤية 2030 وتقليل النفقات وزيادة وظائف السعوديين، بالإضافة إلى التوجه إلى (الأونلاين) ومنصات الحلول الرقمية والابتكار؛ لتحل مكان (الأوف لاين) كإقامة مهرجان رقمي على سبيل المثال لا الحصر.

البدائل: مع الضغط على الميزانيات فإن السوق سيبحث عن بدائل أقل سعراً للحلول والمشاريع المقدمة، فالبحث عن بدائل سيكون على مستوى اسم الشركة لمنتج معين، وهذا ما حدث فعلياً حيث أضحت الشركات تطلب كميات كبيرة من أجهزة الحاسب من شركات كانت قد رفضت التعامل معها من قبل، وحدث الشيء ذاته على مستوى الحلول، فحلول الحوسبة السحابية قد تكون بديلا لحلول توسعة مراكز المعلومات الحالية، وقد يكون ذلك شبه انتقال كامل، فكلما زاد عدد البدائل أثرت على الخطة الحالية وتنفيذها بشكل كبير.

عدد المشترين: لا يخفى على الجميع أن عددًا ليس بقليل من الشركات المتوسطة والصغيرة – وخاصة الصغيرة منها – أغلقت، وهذا في كافة القطاعات، ولكن هناك شركات نمت بشكل كبير جداً، بل إن البعض حقق أهداف سنوات خلال تلك المدة القصيرة كشركات التوصيل المعتمدة على تطبيقات الأجهزة الذكية، وهذا يعني أن عدد المشترين ينخفض، فالذي يعتمد على الشركات المتوسطة والصغيرة كعملاء سيتأثر سلباً، كما أعلنت شركة تقنية مساهمة بتوقع تأثر نتائجها إثر جائحة كورونا.

ما تمت مناقشته ليس بخفي عن أغلب القراء الكرام، كما أنني لم أناقش القطاعات الأخرى المستهلكة لسوق التقنية، ولم أقم باختيار محددات خاصة بالسوق السعودي التقني كالمشاريع الإستراتيجية، ولم أشارك أطر النمذجة لحساب تأثير كل محدد منها، ولكن الفكرة هنا هي أن ربط المحددات الاقتصادية لطلب حلول الشركات قد يساعد الإستراتيجي في سوق التقنية لمعرفة الوضع القائم وتحديد التوقعات بشكل أ كثر دقة.


بقلم المهندس عبدالعزيز الهليل، الخبير الإستراتيجي في قطاع تقنية المعلومات.