إنترنت العراق

كيف تجري عمليات تهريب الإنترنت بالعراق؟

  • 305 مشاهدة
  • 3-07-2020, 16:44

منذ الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، تدور البلاد في دوامة من الفساد طالت جميع مؤسسات الدولة، واستنزفت قطاعات خدمية مهمة، وواحدة منها هي خدمة الإنترنت، التي تشهد عمليات تهريب كبيرة في الداخل والخارج، تؤدي إلى خسائر مالية هائلة.

وبالرغم من حديث المؤسسات الرسمية المتمثلة بوزارة الاتصالات، وهيئة الإعلام والاتصالات عن إحباط عمليات كبرى، إلا أنها لم تستطع أن توقف عمليات التهريب، التي ترى بعض النخب أنها لو تحققت فستعود على الدولة بعائدات مالية كبيرة تصب في ازدهار هذا القطاع الحيوي.

طرق التهريب

تنقسم عمليات التهريب إلى نوعين: الأول عن طريق تمرير سعات إنترنت من خارج العراق دون دخولها إلى الشبكة الرسمية التابعة للدولة، أو بوابات النفاذ الحدودية. أما النوع الآخر، فإنه يجري عن طريق إحداث ثقب في الكابل الضوئي للإنترنت، والربط بطريقة محترفة مع الأسلاك الشعيرية.

وبحسب معلومات ، فإن مافيات تهريب الإنترنت تنصب أبراجا في مناطق صحراوية نائية يمر من خلالها كابل الإنترنت، وتمارس عمليات التهريب المنظم، وأن أغلب تلك العمليات تتم بالمناطق الشمالية القريبة من إقليم كردستان العراق.

أما المنافذ والدول التي يأتي منها التهريب، فتجري عن طريق منفذين أحدهما داخلي عن طريق إقليم كردستان العراق، والآخر خارجي عبر إيران.

ويؤكد عضو لجنة الخدمات والاتصالات البرلمانية النائب علاء الربيعي خلال مقابلة تلفزيونية، أن "التهريب يحصل عن طريق إيران، والآخر من إقليم كردستان العراق باتجاه محافظة كركوك".

وفي أكثر من مرة، أعلن العراق عن تمكنه من إحباط عملية "كبرى" لتهريب سعات الإنترنت، إذ كشفت هيئة النزاهة الرقابية في يوليو/ حزيران 2019 أنها أحبطت عملية تهريب سعات إنترنت في محافظة نينوى بالمناطق الحدودية بين العراق وسوريا.

وأفاد بيان للهيئة بأن "فريق مديرية تحقيق نينوى التابع للهيئة، وبالتعاون مع هيئة الإعلام والاتصالات وجهات إنفاذ القانون بالمحافظة، الذي انتقل إلى ناحية ربيعة، تمكن من ضبط متهم بتهريب سعات إنترنت في المناطق الحدودية بين العراق وسوريا خلافا للقانون".

وأوضحت أن "العملية أسفرت عن ضبط معدات وأجهزة الاستقبال والبث المستخدمة في عملية التهريب، فضلا عن قطع خطوط التهريب".

وقبل ذلك أعلنت في مارس/ آذار 2019 أنها أحبطت في محافظة كركوك عملية "كبرى" لتهريب الإنترنت، مبينة ضبطها مسؤول الشركة الضالعة بعملية التهريب ومصادرة معدات عائدة للشركة.

وأشارت إلى أن "العملية تمت في منطقة جيمن التي تعد المغذي الرئيس لجميع الأبراج والشبكات في المحافظة"، موضحة أن "الشركة المهربة كانت تستخدم تقنية المايكرووية غير المرخصة، ما يتسبب بهدر ملايين الدولارات من المال العام، فضلا عن الانعكاس السلبي لهذه العمليات على الجانب الأمني".

خسائر فادحة

عمليات تهريب الإنترنت في العراق تكبد الدولة خسائر مالية فادحة تصل إلى مبالغ كبيرة جدا، ففي وقت تتحدث فيه وزارة الاتصالات عن 3.5 مليون دولار شهريا، فإن تقارير إعلامية تفيد بأن المبلغ أكثر من ذلك بكثير ويصل إلى 80 مليون دولار شهريا.

التقارير الإعلامية المحلية، تقول: إن العراق يستورد 90 "لمدا" (وحدة قياس سعات الإنترنت وتساوي 10 جيجا)، يستفيد البلد من 10 لمدا فقط والباقي تذهب إلى التهريب.

ويقول عضو لجنة الخدمات والاتصالات بالبرلمان العراقي النائب جاسم البخاتي: إن "موضوع تهريب الإنترنت تتابعه وزارة الاتصالات، لكن حتى الآن لم تضع حلا لإيقاف عمليات سرقة الإنترنت وبيعه إلى دول مجاورة ومحافظات عراقية عدة".

وأشار إلى أن "الأزمة هذه وراءها مجموعة من المشكلات، أولها تداخل الصلاحيات بين هيئة الاعلام والاتصالات، ووزارة الاتصالات، فلا نعرف من يقود الآخر، وهذه تعد من المشكلات التراكمية والتي لم تجد نفعا في تحسين الإنترنت وجني الأموال منها لرفد الموازنة العامة للبلد".

وتابع البخاتي: "خدمة الإنترنت حتى الآن لم ترتق إلى مستوى الطموح، ووزارة الاتصالات تقدم مبالغ زهيدة للدولة تقدر بـ 600 مليون دولار سنويا، في حين الإنترنت في الأردن الذي يصل نفوس شعبه إلى ثلث عدد سكان العراق، يرفد ميزانية الدولة بـ 2 مليار دولار سنويا".

ونوه النائب إلى أن "وزارة الاتصالات مطلوبة أكثر من 7 مليار دينار (6 مليون دولار) بسبب رواتب الموظفين والعجز المالي الذي تعانيه، لذلك لم تكن إدارتها حقيقة حتى تنهي قضية سرقة الإنترنت وهيمنة بعض الشركات على الخدمة هذه والعمل على إدخال شركات منافسة تدعم الاقتصاد الوطني".

الجهات المتهمة

تدور الاتهامات بتهريب الإنترنت حول شركات لها ارتباطات بجهات سياسية نافذة في العراق، إذ إن هيئة النزاهة المعنية بمطارة قضايا الفساد اشتكت في أحد بياناتها من تعرضها لضغوطات من أطراف رسمية لإغلاق ملف إحدى قضايا التهريب للإنترنت.

عضو لجنة الخدمات والاتصالات البرلمانية جاسم البخاتي قال : إنه "حتى الآن لم يتأكد وقوف جهات سياسية وراء عمليات تهريب الإنترنت، لكن المؤكد أن أغلب مشاريع الإنترنت تتبع إلى شركات تمتلكها أحزاب سياسية، وهذه أثرت بشكل كبير على نوع الخدمة المقدمة وكذلك المبالغ التي تأخذها من المواطن هي كبيرة جدا نسبة إلى رداءة الجودة".

وأكد النائب العراقي وجود "مافيات تعمل لحسابها الخاص على تهريب الإنترنت وأعتقد أنها مشخصة من وزارة الاتصالات، لكن حتى الآن لا يوجد إجراء يشفي قلب العراقيين بمحاسبة حقيقية، لأنها تدعي في أكثر من مرة أنها ستتخذ الإجراءات لكن لا يوجد أي إجراء حتى الآن".

المعلومات تفيد بأن خدمة الإنترنت تحتكرها أربع شركات رئيسية، وهي "نوروز تيل"، ومقرها إقليم كردستان، و"آي. كيو" وتمتلك حصة تغذية الخدمة في وسط وجنوب البلاد، وشركة "إيرثلينك" وتمتلك أكثر زبائن في وسط وجنوب البلاد ويصل عدد مشتركها إلى أكثر من مليون، وتزود مؤسسات الدولة أيضا بخدماتها، أما الرابعة فتدعى "سكاي سكوب".

اثنتان من الشركات الأربع أعلنت لجنة النزاهة في يناير/كانون الثاني 2018 تورطهما بأكبر عملية تهريب إنترنت في العراق، إذ قالت إنها ضبطت بالتعاون مع وزارة الاتصالات "أكبر" عمليات تهريب لسعات الإنترنت عبر الكابل الضوئي بمشروع "سيمفوني" في العراق.

وبحسب هيئة النزاهة، فقد تمت عملية الضبط في موقعي شركتي "إيرثلنك" و"آي.كيو" وهما شركتان تابعتان للقطاع الخاص تقدمان خدمة الإنترنت. وأضافت أن عمليات التهريب المضبوطة وصلت إلى 47 "لمدا" إذ تبلغ كلفة الواحدة منها مليون دولار أميركي شهريا في محافظة كركوك لوحدها.

لكن عضو لجنة الخدمات والاتصالات البرلمانية علاء الربيعي قال في مقابلته التلفزيونية على قناة "العراقية" الرسمية: إن شركة "آي. كيو" تعمل على تهريب الإنترنت عن طريق  كركوك وإيران.

ولفت إلى أنه رغم حكم القضاء لصالح وزارة الاتصالات ضد هذه الشركات، إلا أنها تكافأ وتأخذ عقودا أخرى من الدولة العراقية في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وتجري تسويات بين الطرفين.

التدابير الحكومية

وفي ظل الاتهامات التي تطال وزارة الاتصالات ذاتها- حسبما ذكر النائب الربيعي- لكنه أكد في تصريحات صحفية أن وزارته "مستمرة بحملات مكافحة تهريب سعات الإنترنت والتي تؤثر في جودة الخدمة المقدمة للمواطنين في بغداد ومحافظات البلاد كافة".

لكن النائب جاسم البخاتي قال: إن "هناك تبادل اتهامات بين هيئة الاتصالات ووزارة الاتصالات، لذلك نحن ذاهبون باتجاه سحب البنى التحتية من الوزارة وتحويلها إلى الشركات الخاصة أسوة بالتجربة الأردنية، لأنها تعتبر تجربة رائدة وتقدم خدمة ممتازة".

وخلص البخاتي إلى أن "وزارة الاتصالات رغم الوعود الكثيرة بالعمل على معالجة تهريب الإنترنت ومعرفتها بالجهات التي تمارس هذه الأعمال، لكننا لم نر أي نتائج على أرض الواقع من شأنها القضاء على تلك المافيات التي تكبد البلد خسائر مالية كبيرة".